Powered By Blogger
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب عالمى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب عالمى. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 24 مايو 2011

وفاة موظف تشيكوف


  ذات مساء رائع كان إيفان ديمتريفيتش تشرفياكوف ، الموظف الذي لا يقل روعة ، جالسا في الصف الثاني من مقاعد الصالة، يتطلع في المنظار إلى " أجراس كورنيفيل" . 
وراح يتطلع وهو يشعر بنفسه في قمة المتعة . وفجأة ... وكثيرا ما تقابلنا "وفجأة" هذه في القصص . والكتاب على حق، فما أحفل الحياة بالمفاجآت ! فجأة تقلص وجهه، وزاغ بصره، واحتبست أنفاسه .. وحول عينيه عن المنظار وانحنى و ... أتش !!! عطس كما ترون . والعطس ليس محظورا على أحد في أي مكان.
 إذ يعطس الفلاحون ورجال الشرطة، بل وحتى أحيانا المستشارون السريون . 
الجميع يعطس، ولم يشعر تشرفياكوف بأي حرج، ومسح أنفه بمنديله، وكشخص مهذب نظر حوله ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدا بعطسه .
 وعلى الفور أحس بالحرج . فقد رأى العجوز الجالس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه بعناية ويدمدم بشيء ما .
وعرف تشرفياكوف في شخص العجوز الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية .
 وقال تشرفياكوف لنفسه : " لقد بللته . إنه ليس رئيسي بل غريب، ومع ذلك فشيء محرج . ينبغي أن أعتذر"
وتنحنح تشرفياكوف ومال بجسده إلى الأمام وهمس في أذن الجنرال :
-
عفوا يا صاحب السعادة، لقد بللتكم .. لم أقصد .
-
لا شيء ، لا شيء .
-
أستحلفكم بالله العفو . إنني .. لم أكن أريد !
-
أوه، اسكت من فضلك ! دعني أصغي !
وأحرج تشرفياكوف فابتسم ببلاهة وراح ينظر إلى المسرح، كان ينظر ولكنه لم يعد يحس بالمتعة . لقد بدأ القلق يعذبه .
 وأثناء الاستراحة اقترب من يريزجالوف وتمشى قليلا بجواره، وبعد أن تغلب على وجله دمدم :
-
لقد بللتكم يا صاحب السعادة .. اعذروني .. إنني لم أكن أقصد أن ...
فقال الجنرال :
-
أوه كفاك ! أنا قد نسيت وأنت ما زلت تتحدث عن نفس الأمر.. !
 وحرك شفته السفلى بنفاد صبر .
وقال تشرفياكوف لنفسه وهو يتطلع إلى الجنرال بشك :
 " يقول نسيت بينما الخبث يطل من عينيه . ولا يريد أن يتحدث . ينبغي أن أوضح له أنني لم أكن أرغب على الإطلاق .. وأن هذا قانون الطبيعة، وإلا ظن أنني أردت أن أبصق عليه .. فإذا لم يظن الآن فسيظن فيما بعد...  ! "
وعندما عاد تشرفياكوف إلى المنزل روى لزوجته ما بدر عنه من سوء تصرف . وخيل إليه أن زوجته نظرت إلى الأمر باستخفاف فقد جزعت فقط، ولكنها اطمأنت عندما علمت أن بريزجالوف "غريب" 
وقالت :
 - ومع ذلك اذهب إليه واعتذر وإلا ظن أنك لا تعرف كيف تتصرف في المجتمعات .
-
تلك هي المسألة ! لقد اعتذرت له، لكنه ... كان غريبا .. لم يقل كلمة مفهومة واحدة، ثم إنه لم يكن هناك متسع للحديث .
وفي اليوم التالي ارتدى تشرفياكوف حلة جديدة، وقص شعره وذهب إلى بريزجالوف لتوضيح الأمر .. وعندما دخل غرفة استقبال الجنرال رأى هناك كثيرا من الزوار ورأى بينهم الجنرال نفسه الذي بدأ يستقبل الزوار . وبعد أن سأل عدة أشخاص رفع عينيه إلى تشرفياكو.

 فراح الموظف يشرح له :
-
بالأمس في "أركاديا" لو تذكرون يا صاحب السعادة عسطت و .. بللتكم عن غير قصد .. اعذر ..
-
يا للتفاهات .. الله يعلم ما هذا !
  وتوجه الجنرال إلى الزائر التالي – ماذا تريدون ؟
وفكر تشرفياكوف ووجهه يشحب : " لا يريد أن يتحدث أذن فهو غاضب .. كلا لا يمكن أن أدع الأمر هكذا ... سوف أشرح له .
.. " 
وبعد أن انتهى الجنرال حديثه مع آخر زائر واتجه إلى الغرفة الداخلية، خطا شرفياكوف خلفه ودمدم :
-
يا صاحب السعادة ! إذا كنت أتجاسر على إزعاج سعادتكم فإنما من واقع الإحساس بالندم ! . لم أكن أقصد، كما تعلمون سعادتكم !  فقال الجنرال وهو يختفي خلف الباب :
-
إنك تسخر يا سيدي الكريم 

! وفكر تشرفياكوف : "أية سخرية يمكن أن تكون ؟ ليس هنا أية سخرية على الإطلاق ! جنرال ومع ذلك لا يستطيع أن يفهم ! إذا كان الأمر كذلك فلن أعتذر بعد لهذا المتغطرس . ليذهب إلى الشيطان ! سأكتب له رسالة ولكن لن آتي إليه . أقسم لن آتي  !
هكذا فكر تشرفياكوف وهو عائد إلى المنزل . ولكنه لم يكتب للجنرال رسالة . فقد فكر ولم يستطع أن يدبج الرسالة . واضطر في اليوم التالي إلى الذهاب بنفسه لشرح الأمر ..
ودمدم عندما رفع إليه الجنرال عينين متسائلتين :
-
جئت بالأمس فأزعجتكم يا صاحب السعادة، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم . بل كنت أعتذر لأني عطست فبللتكم ... ولكنه لم يدر بخاطري أبدا أن أسخر وهل أجسر على السخرية ؟ فلو رحنا نسخر فلن يكون هناك احترام للشخصيات إذن ... وفجأة زأر الجنرال وقد أربد وارتعد :
-
اخرج من هنا !! 

فسأل تشرفياكوف هامسا وهو يذوب رعبا :
-
ماذا ؟
فردد الجنرال ودق بقدمه :
-
اخرج من هنا !!  

وتمزق شيء ما في بطن تشرفياكوف . وتراجع إلى الباب وهو لا يرى ولا يسمع شيئا . وخرج إلى الشارع وهو يجرجر ساقيه .. وعندما وصل آليا إلى المنزل استلقى على الكنبة دون أن يخلع حلته ... ومات .


زوجة الأب تشيكوف


    على كرسى كبير ذى مساند يعود إلى الأسلاف، جلست سيدة عجوز صغيرة الجسم. وجهها مجعد ذو لونٍ اصفر - رمادى وكأنه ليمونة معصورة. كانت تنظر إلى جانب واحد، بكآبة وارتياب، متململة فى كرسيها دون استقرار، وبين الحين والآخر ترفع إلى انفها الدقيق الشبيه بالمنقار، قنينة صغيرة تحوى أملاحاً ذات رائحة (سعوط)، وكانت تشعر بأنها متعكرة المزاج. والى جانبها وقف شاب بمظهر جذاب، اسمحوا لى أن أقدمه لكم:
 انه شاعر، وابن زوج السيدة العجوز الصغيرة الجسم، وكان يدور بين زوجة الأب وابن الزوج، الحديث التالي:
قال الشاعر:
- جئت إليك بعملٍ يا أمى .. لقد كتبت رواية، ولقد أمرتنى أن أقرأ لك كل ما اكتبه. اسمحى لي، ها هى الرواية الآن....
-
حسناً، سوف نقرأها.... ولكن لماذا يبدو عليك الحزن ؟ هل يعنى ذلك انك مستاء من تدخلى فى عملك ؟ هل تمانع ؟ هل أنت من ذلك النوع من الأشخاص ؟...
-
ولكن ، أنا مسرور يا أمي ! كيف تأتى لك أن تقولى هذا ؟. لم أفكر حتي....
أخذ الشاعر نفساً عميقاً، اغمض عينيه قليلاً وبذل جهده لإظهار ابتسامة.
ثم أردف:
- أنا مسرور جداً.... أرجو أن تحسنى إلي.... ينبغى لنا - نحن الكتـاب - أن نكون تحت رقابة ما......
-
هكذا إذاً،.... هيا.. اقرأ لى ما كتبته، سأستمع لك.
بدأ الشاعر يقلب أوراقه ببطء. سعل مرتبكاً، وبدأ يقرأ:
كان صباح يوم من أيام شهر آيار الرائعة، وكان بطلى مستلقياً على الشاطئ، ينظر إلى الأمواج الهادرة، وهو يتأمل.... .
قاطعته زوجة أبيه: قف. قف.. اشطب كلمة "يتأمل".
-
ولكن لماذا ؟
-
الله يعلم ماذا كان يتأمل بطلك ! ربما كان شيئاً ما يمكن....
-
ولكن سأوضح لك فيما بعد، يا أمي.
-
يمكن للمرء أن يستنتج الكثير من الأشياء، قبل أن تكون قد وصلت إلى إيضاحاتك.... اشطبها.
شطب الشاعر كلمة "يتأمل"، واستمر يقرأ:
وبجانبه، على الرمل، كان يضع صندوق أصباغ وقطعة قنب تمتد على إطار....
-
قف. قف.... كيف يمكنك أن تكتب مثل هذا ؟ اشطب كلمة "قنب"...
-
ولكن لماذا، يا أمي؟
-
ألا تدل تلك الكلمة على "التصّيد" ؟ ألا يمكن أن يكون فى معنى الكلمة تلميح إلى اضطرابات فى سكك الحديد، وان تلك الاضطرابات ترتبط مباشرة بـ .....
استبدل الشاعر كلمة "القنب" بـ "قطعة قماش" واستأنف القراءة:
كان مرافقه فلاح شاب يقف على حافة الشاطئ....
-
أعدها. طوحت العجوز بيديها فى الهواء، وأدخلت أرنبة انفها فى قنينة أملاح الشم. أعدها... من اجل ماذا تريد فلاحاً هنا ؟ لماذا ؟ كيف دخل فى الموضوع ؟ استبدله بشيء آخر....
-
سوف استبدله بـ "ولد صغير".
-
ينبغى أن لا تفعل ذلك... إذا كان الولد الصغير يقف صباحاً على شاطئ البحر، فهذا يعنى انه ليس فى المدرسة، وهو تلميح بوجود نقصٍ فى المدارس.
مسح الشاعر حاجبه، تنهد بعمق، وواصل القراءة.
ولكن كلما توغلنا فى الغابة، كلما كانت هناك أشجار كثيفة، يتوجب قطعها.
 بدأت مخطوطة الشاعر تدريجياً تتغطى بخطوط سوداء، وبشطب، ونقاط، وفقدت باضطراد لونها الأبيض، وتبدلت إلى اللون الأسود. جميع الكلمات تم شطبها، عدا بعض علامات التعجب، والأرقام والقليل من ظروف الزمان والمكان.
 كانت العجوز تقف بالضد من علامات التعجب، لان مثل هذه العلامات، ربما كان القصد منها، زواجاً غير شرعى أو غير قانوني، يؤدى إلى اختلاط الطبقات الاجتماعية.
 وهى ترفض ضمائر الشخص الثالث، ذلك لان كلمة "هو" للعـاقل و"هو" أو "هي" لغير العاقل، قد تعنى أى شخص أو أى شئ: رينان، لزال، موسكو تلغراف، أو شيدرين ...وهى لم ولن تسمح له بأن يستعمل "الفوارز" لأنها - حسب ظنها - تلمح إلى ....
قالت العجوز: لماذا تركت هوامش فى مخطوطتك ؟ المسافة الفارغة تعني، أن لا حصاد. اقتطعها بالمقص !
استطاع الشاعر بطريقة ما أن يصل إلى نهاية روايته:
أعلن الشخص المسؤول، قرار المحلفين بصوتٍ مرتعش: كلا انهم ليسوا مذنبين. صفق الحاضرون للقرار. .
انتفضت السيدة العجوز واقفة على قدميها، وقد امتلأت عيناها بالرعب، ومال غطاء رأسها جانباً، لتظهر ضفيرتها التى لا ترى فى العادة.
-
هل جننت ؟... هل تبرئ السفلة ؟
-
لكننى افعل الشيء الصحيح! انهم ليسوا مذنبين، يا أمي.
-
ليسوا مذنبين ؟ هل فقدت عقلك ؟!. مجرد كونهم لم يصغوا لأسيادهم، وكانوا وقحين، وقليلى الأدب مع مساعد المدعى العام، وسمحوا لأنفسهم بأن يتحذلقوا أمام المحكمة، ينبغى أن يجلدوا بالسياط. ألا تعلم بان التبرئة تفسد أخلاق المرء؟ وتتلف الناس!. تريد أن تقول إن الجرائم يمكن أن تمر دون عقاب! ابدلها، من فضلك!
شطب الشاعر كلا، انهم ليسوا مذنبين وكتب:
فاسيلى كلنسكي، يعاقب بالعبودية فى المناجم، لمدة غير محددة، وتعاقب زوجته، ماريا، بالعبودية فى المعامل لمدة أربعة عشر عاماً.... .
السيدة العجوز منعته من شطب صفق الحاضرون للقرار .
-
الآن، أخذت روايتك شكلها الصحيح. - قالت زوجة الأب - يمكنك السماح لأى شخص بأن يقرأها.
قَبل الشاعر يد السيدة العجوز، البارزة العظام، ورحل.



للمزيد عن الكاتب الروسى أنطون تشيكوف فضلا اتبع الرابط

الجمعة، 20 مايو 2011

الحذاء الضيق عزيز نيسين

انتعلوا حذاءا ضيقا عند ذهابكم لطلب فتاة. البسوا حذاءا ضيقا بعض النمر عندما تلتقون للمرة الأولى بمن سيصبح حماكم فى المستقبل.
تستطيعون الزواج من الفتاة التى تريدون عندما ترتدون حذاءا ضيقا ، حتى لو رفضت تلك الفتاة ، فإن والديها سيجبرانها على ذلك و هذا مجرب لا محال.
لقد تعلمت تلك الحقيقة قبل سنوات طويلة.
عشق "سيرمت" فتاة حتى الجنون ، و بسبب هذا العشق أهمل جميع أشغاله و أعماله ، جميع أصدقائه كانوا يشفقون عليه و على حالته ، حتى أننى قلت له ذات مرة :
- أتحبك الفتاة ؟
- و أى حب...
- إذن تزوجا.
- و كيف أتزوج يا أخى و أنا هنا وحيد فى أسطنبول ، أمى و أبى فى أرظروم و لا أحد لى هنا ، فمن سيطلب الفتاة من أمها ؟
- ياهوه ، تلك الأزمان ولت ، اذهب مباشرة إلى والدها و قل له " توافقت و اتفقت مع ابنتكم لذلك أرجوكم أن تمدوا لى يد المساعدة للزواج بها"
- و أنا من أجل ذلك سأتزوج ، والد الفتاة غنى ، و بغير هذه الوسيلة لا أستطيع ضمان حياتى ، هيا لنذهب والدا الفتاة فى البيت اليوم.
- لا أستطيع يا عزيزى سومرت.
- إنها خدمة أخوية ، و بفضلها ستنقذ حياتى.
وافقت لأنه كان على وشك البكاء ، حذائى الذى أنتعله أصبح مهترئا ، أضحى مثل تمساح فاغر فمه، أيعقل أن نذهب لبيت الفتاة بهذا الحذاء ؟ و لا نقود لدى لشراء حذاء جديد.
طلبت سلفة من معلمى على الرغم من معرفتى ببخله و أنه أبخل من فى بيبالى ، قال لى يومها :
- هاه تذكرت ، عليك عشرة ليرات هل سددتها ؟
أما مديرنا الإدارى فهو رجل طيب ، أنقذنى و أعطانى خمس عشرة ليرة على أن يحسم المبلغ من راتبى.
اتجهنا أنا و سرمت مباشرة إلى سوق الأحذية المحلية ، هناك تباع أرخص الأحذية.
تعتبر الأحذية ذات المقاسات دون السبعة و الثلاثين أحذية ولادية و تباع بأربع عشرة ليرة و سبعين قرشا، و ما فوق حتى الستة و أربعين أحذية رجالية ، أغلى بعشرة ليرات.
مقاس قدمى ثمانية و ثلاثين.
إن هذه المفارقة تعتبر من أكثرها ظلما فى الحياة ، أيعقل أن أدفع عشر ليرات زائدة بسبب نمرة واحدة ؟ عدا عن ذلك من غير المعقول أن يكون سعر الحذاء ثمانية

و ثلاثين بسعر الستة و أربعين.
لم أستطع شرح هذه المظلمة للبائع بأى شكل من الأشكال ، لذلك اتجهنا للمدير ، أظهر تفهمه إلا أنه قال:
- ماذا نفعل إذا كانت الأنظمة السارية هكذا ؟
لم أستطع ضبط نفسى لذلك رحت ألقى كلمة قائلا :
- سحقا لجميع أنواع الظلم فى العالم.
- اصمت و إلا فتحنا محضرا بذلك.
جمعنا و لملمنا كل ما لدينا أنا و سرمت إلا أن ذلك لم يكف لشراء حذاء مقاسه ثمانية و ثلاثين.
قال لى سرمت : خذ سبعة و ثلاثين.
- ضيق لا يناسب قدمى.
- تنتعله من أجل خاطرى.
- ياهوه ... أى خاطر و ماطر فى الأحذية و
الأقدام ؟
قلت بينى و بين نفسى ماذا أفعل ؟ من أجل خاطر الصداقة أشتريت الحذاء.
أبرزت النوايا الحسنة لانتعال الحذاء ، حقيقة حاول البائعان كثيرا مساعدتى ، مسكين سرمت حبات العرق تنساب من جبينه ، و أخيرا نجحا و ربطا رباط الحذاء ، و قالا : هيا قم.
قالا لى ذلك لأننى كنت ملقى على الأرض ، نهضت بعدما حملانى من تحت أبطى ، 

و حال نهوضى صرخت :
- أغيثونى.
أتمنى ألا يحرم الله قدما من حريتها ، فحرية القدم لا تشبه حرية الصحافة و لا حرية الوجدان.
قال البائع : سيتوسع الحذاء عندما تسير عليه قليلا.
أى مسير فأنا لا أستطيع الحراك ، خرجنا إلى الشارع و أنا أشعر أن شرايين مخى تنتفض لدرجة أن حبات العرق أخذت تنساب فى أسفل ظهرى ، فى هذه اللحظات قال لى سرمت :
- هل حضرت قصصك الساخرة التى سترويها لوالد الفتاة ؟
ركبنا التورماى.
- رجاء يا سرمت ازل هذا البلاء من قدمى.
- لا تخلعه سيتوسع بعد قليل.
على ما يبدو أنه لن يتوسع ، و بسبب الألم قلت له :
- سأخلعها و عندما ننزل من الترماى أنتعلها ثانية.
و أى حال وصلت إليها حتى أشفق علىّ الركاب و المراقب و الجابى ، لذلك هبوا جميعا لمساعدتى فى خلعها ، حاولوا كثيرا إلا أنهم فشلوا ، أحد الركاب قال :
- لنقصها و ننقذه.
قلت له : لا ....!
كيف سيقصه و بألف يا ويلاه جمعنا ثمنه ، لا سيما أن فى أعماقى أملا بتوسع الحذاء 

و انتعاله براحة.
نزلنا من الترماى و أنا أصرخ متألما ، أتأوه و أتاخأخ و لم أدر كيف مشينا.
فى الطريق سألنى سرمت :
- هل حفظت القصص الساخرة التى سترويها ، رجاءا قل له ما شئت و أضحكه ، لأنه عندما يضحك سيلينو سيزوجنى ابنته ، رجاءا ارو له نكات جحا و قصصا أخرى.
عندما وصلنا إلى البيت ، لم أعرف كيف ألقيت بنفسى على الديوان و غطيت وجهى بيدى.
سألنا والد الفتاة :
- ما سبب زيارتكما؟
راح سرمت يستغيث بنظرات حتى كاد أن يبكى ، أما أنا فلم أستطع التفوه بحرف واحد ، كنت أتصبب عرق الموت ، و وجهى محمرا كالشوندر ، و كل قطعة من جسدى تلتهب من الحمى.
لاحظ سرمت أنه لا أمل منى بالمساعدة ، لذلك انفكت عقدة لسانه ، و راح يثرثر و يروى الحكايات ، بينما كنت أتصبب عرقا.
سألتنى والدة الفتاة : لماذا لا تتكلم ؟
أجابها سرمت : إنه خجول جدا يا سيدتى.
يداى بين فخذى و أنا أتقلب من الألم ، أثناء ذلك أحضرت محبوبة سرمت القهوة ، من ينظر فى وجه الفتاة يهرب إلى آخر الدنيا ، جازاك الله يا سرمت أمن أجل هذه الفتاة كل هذا ؟
فى النهاية نجح سرمت فى رواية كل ما حفظ من قصص ساخرة ، كذلك نجح فى إضحاك الرجل و زوجته ، حتى طقت خواصرهما ، وجهى متغضن من الألم و فى عينى أشعر بشرارة تشبه البرق.
أخيرا عرض سرمت رغبته فى الزواج من ابنتها ، أجابه والدها :
- لنفكر بالأمر.
بينما قالت والدتها : خيرا إن شاء الله إنها القسمة و النصيب.
بعد ذلك سألنى : هل أنت أعزب ؟
عندها أجبت مطاطئا رأسى : نعم ، و كانت الكلمة الوحيدة التى تفوهت بها.
بعد خروجنا من عندهم تركنى سرمت غاضبا بعدما أنبنى قائلا : أى صديق أنت ؟ يا خسارة.
هكذا بقيت وحيدا وسط الزقاق ، جلست على الرصيف ، كنت سأمشى حافيا لو أستطعت خلع حذائى ، لكنه التصق بقدمى ، فلم ينخلع و كأنه أصبح جزءا من جسدى.
لا أدرى كيف وصلت إلى مركز الجريدة ، و ألقيت بنفسى على أريكتى متمددا :
- أنقذونى يا أصدقاء.
حاولوا كثيرا دوم جدوى.
- قطعوه قطعوه.
كل واحد منهم حمل سكينا أو مشرطا أو موس حلاقة.
اقترح أحد الأصدقاء:
- هذا اختصاص ، لابد من عمل جراحى.
لقد التصق الحذاء بقدمى لدرجة أنهم قطعوه ، و مع ذلك لم ينخلع ، و اخيرا نجحوا يعد أن قطعوه أربا أربا.
و بذلك استطاعت قدمىّ معانقة حريتهما و أنتم تعرفون معنى ذلك.
ثلاثة أيام لم أستطع المشى بتاتا و كل ما حدث تم بعد ذلك.
سابقا كنت أنتعل ثمانية و ثلاثين ، لكن بعد ذلك حتى الأربعين بات ضيقا على قدمى ، فقد كبرت قدماى بعدما عانقتا حريتهما. ألسنا هكذا نحن بنى البشر ، عندما نتحرر من أى احتجاز و مهما طال امده نتضخم و لا نستطيع الدخول من باب البيت.

بعد أربعة ايام قدم لى والد الفتاة التى طلبها سرمت ، و بعدما تحدثنا بموضوعات شتى ، قال لى :
- قررنا ، أنا و زوجتى ، تزويجك ابنتنا.
ذهلت مما سمعت :

- لم ؟ لم أفهم ...
- لأننا أعجبنا بك كثيرا ، لم نصادف طوال حياتنا شابا خجولا مثلك ، لم نر شابا ذا تربية عالية مثلك ، يوم أتيت إلينا كنت تقطر عرقا من شدة الخجل و وجهك مبقع حمرة  ، لم تتفوه بتاتا و كنت مطاطىء الرأس ، شرف لأى عائلة دخول صهر مؤدب إليها.
- و ماذا عن صديقى ... ماذا سيحل به ؟
- أرجوك اتركه ، فهو ثرثار أحمق ، و قليل الحياء ، تصرف بشكل غير عقلانى ، حسب ظنه أنه كان يروى قصصا و نكات ، لا فتاة عندى كى أزوجه.
راح الرجل يزورنى مرة كل يومين أو ثلاثة أيام ليتحدث ممتدحا حيائى ، تربيتى :
- أنا بحياتى ... مثلك مؤدب ، ذو أخلاق عالية ، وجهك يقر حياء ، لا تدرى أين تضع يديك ..
- يا سيدى انا لا أفكر بالزواج الآن.
- فكر بالأمر .. سآتى ثانية و نتحدث فى الموضوع.

و هكذا أخذ الرجل يزورنى كل يومين أو ثلاثة ليتحدث ممتدحا حيائى و تربيتى :
- لم ار شابا ذا تربية عالية ، و أخلاق .. وجهك مبقع حياء .. لا تعرف أين تضع يديك ..
ذات يوم لم أستطع ضبط أعصابى ، أخرجت من درج طاولتى قطع حذائى ذى السبعة و الثلاثين ملفوفة بجريدة و ألقيت بها أمامه و صرخت به :
- ها هى الأخلاق و التربية و الخجل ، خذه و زوجه ابنتك !
تذكروا عندما تننون الذهاب لطلب يد قتاة أن تنتعلوا حذاءا ضيقا.


المزيد عن الأديب التركى عزيز نيسين فضلا اتبع الرابط

الأحد، 1 مايو 2011

حسابى فى البنك ستيفن ليكوك

عندما أدخل بنكا أشعر بالخوف ، فالموظفون يخيفوننى و الككاتب تخيفنى ، و مرأى النقود يخيفنى ، كل شيىء يخيفنى ..
و فى اللحظة التى أدخل فيها أحد البنوك و أحاول أن أقوم بعمل هناك أتحول إلى أحمق نزق.
كنت أعلم ذلك من قبل ، و لكن مرتبى ارتفع إلى خمسين دولار فى الشهرو شعرت أن البنك هو المكان الوحيد المناسب له.
لذا دخلت بخطوات مضطربة و تطلعت حولى فى الموظفين بخوف ، كانت لدى فكرة عن أن الشخص الذى يريد أن يفتح حسابا يجب عليه أن يستشير المدير.
صعدت إلى مكان مكتوب عليه "إدارة الحسابات" و قابلت المحاسب و هو رجل طويل بارد يشبه الشيطان ، مجرد مرآه أخافنى و تحشرج صوتى كما لو كان خارجا من قبر ، و سألته :
- هل يمكننى رؤية المدير ؟

قلت ذلك و أضفت بوقار " على انفراد".
و لست أعلم لماذا قلت على انفراد.
قال المحاسب و هو يذهب لإحضار المدير : بكل تأكيد.
كان المدير رجلا طويلا تبدو عليه ملامح الجدية ، و كنت أحمل دولاراتى الستة و الخمسين مكورة فى جيبى.
- هل أنت المدير ؟ قلت ذلك و الله أعلم بأنى لم أكن أشك فى كونه المدير.
قال : نعم.
سألته : هل يمكننى أن أراك ... على انفراد ؟
لم أكن أريد أن أنطق عبارة على انفراد و لكن بدون هذه العبارة يصبح السؤال لا محل له.
فنظر المدير نحوى بشيىء من القلق ، لقد شعر أن لدى سرا رهيبا أريد أن أفضى به إليه.
- تعال معى
قالها المدير و هو يقودنى إلى غرفة خاصة ، ثم أغلق الباب علينا بالمفتاح و قال:
- لن يزعجنا أحد هنا ، تفضل بالجلوس.
جلسنا و أخذ كل منا ينظر إلى الآخر ، و ضاع منى الصوت فلم أستطع أن أبدأ الحديث.
قال المدير : - اعتقد أنك أحد المخبرين من بنكرتون !
لقد جعلته حالتى الغريبة يشعر أننى مخبر ، كنت أعلم ماذا يفكر فيه ، و هذا جعلنى أكثر اضطرابا.
قلت : "كلا ... لست من بنكرتون " و كأننى أعنى أننى من وكالة منافسة ، ثم تداركت الموقف قائلا :
- الحقيقة .. إننى لست مخبرا على الإطلاق ، لقد جئت لأفتح حسابا .. أريد أن أحفظ نقودى فى هذا البنك !
ظهرت معالم الراحة على المدير و لكنه ظل جادا ، لقد شعر بالتأكيد الآن أننى رجل ثرى جدا ، كابن البارون روتشيلد مثلا.
قال : - حساب كبير على ما أعتقد ؟!
فهمست قائلا : 
- كبير إلى حد ما ، أريد أن أضع فى هذا البنك ستة و خمسين دولارا الآن و أضيف إليها خمسين دولارا كل شهر بانتظام.
هب المدير واقفا و فتح الباب ، و نادى المحاسب و قال بصوت مرتفع خال من الرقة :
- مستر مونتجمرى .. هذا السيد يريد أن يفتح حسابا إنه يريد أن يودع ستة و خمسين دولارا فيه .. عم صباحا !
قمت بدورى ، و انفتح باب حديدى كبير فى جانب الغرفة فرددت و أنا أسير نحوه:
- صباح الخير يا سيدى.
قال المدير ببرود و هو يدلنى على الطريق " - اخرج.
ذهبت إلى حيث يجلس المحاسب و ألقيت أمامه كومة النقود بحركة سريعة مفاجئة كما لو كنت أقوم بخدعة ما .. و أصبح وجهى شديد الشحوب و قلت :
- هذا المال ... ضعه فى حسابى !
و كان لسان حالى يقول : " دعنا ننتهى من هذا الأمر ما دمنا نريد أن يتن ".
فأخذ النقود و أعطاها إلى موظف آخر ، و جعلنى أكتب المبلغ فى قصاصة ورق و أوقع بأسمى فى دفتر .. لم أعد أعرف ماذا أفعل و بدا البنك كأنه يترنح أمام عينى.
و تسائلت فى صوت أجوف :
- هل أصبح فى حسابى الآن ؟
قال المحاسب :
- أصبح فى حسابك.
- إذن أريد أن أسحب شيكا.
كانت فكرتى أن أسحب ستة دولارات من المبلغ للاستخدام الحالى ، و قدم لى شخص ما دفتر شيكات بينما بدأ آخر يعلمنى كيف أستخدمه ، شعر الناس فى البنك أننى أملك ملايين الدولارات ، و لكنى أشعر بأننى لست على ما يرام ، فكتبت شيئا فى الشيك و دفعته إلى الموظف الذى نظر إليه و سأل فى دهشة:
- ماذا ؟ أتريد أن تسحب كل المبلغ مرة أخرى ؟
و عندئذ تحققت أننى كتبت فى خانة السحب ستة و خمسين دولارا بدل من ستة دولارات ، و شعرت باضطراب شديد ، و أحسست أن من المستحيل على أن أفسر الأمر ، و توقف جميع الموظفين عن العمل و تطلعوا نحوى !
شعرت بالجرأة و عدم الاهتمام فى بؤسى ، و اتخذت قرارا :
- نعم ... كل المبلغ !!
- هل تريد أن تسحب نقودك من البنك ؟!
- إلى آخر سنت منها !!!
قال الموظف مندهشا : ألا تنوى أن تبقى هذا الحساب مفتوحا ؟
- إطلاقا !
جاءنى أمل أحمق بأنهم يتصورون أن شيئا ما قد أهاننى و أنا أكتب الشيك فغيرت رأيى ، و قمت بمحاولة يائسة لأبدو فى مظهر رجل سريع الغضب.
استعد الموظف ليعيد النقود ، و سألنى :
- كيف تريد أن تأخذها ؟
- ماذا ؟
ثم فهمت ما المقصود بسؤاله ، و قلت بدون تفكير :
- ورقة بخمسين دولارا.
فأعطانى ورقة بخمسين دولارا و سأل ببرود :
- و الدولارات الست ؟
قلت :
- ستة أوراق فئة الدولار.
فأعطانى الدولارات السيتة و أندفعت خارجا.
و عندما كان الباب الكبير يغلق خلفى سمعت عاصفة من الضحك تتصاعد إلى سقف البنك ، و منذ ذلك الحين لم أفكر فى اللجوء إلى بنك مرة أخرى ، و تعودت أن أحتفظ بنقودى فى جيبى ، أما مدخراتى فأحولها إلى دولارات فضية و أضعها فى حصالة !.



للمزيد عن الكاتب ستيفن ليكوك فضلا اتبع الرابط
ترجمة محمد العزب موسى  مراجعة مختار السويفى

قصص قصيرة جدا


في البداية
غوردون أ. آدامسون Gordon I Adamson

في البدء كان الرب .
الرب خلق السماوات والأرض ، وجاء الديناصور. ثم البشر، الذين اخترعوا العجلة ، والكتب ، والفن ، والموسيقى ، والسينما ، والعربات ، والطائرات ، والتلفزيون ، والكمبيوتر، وسفن الفضاء ، وأربطة العنق ، والأسلحة الذرية.
بعدها انقرض البشر.
في النهاية، لم يبق غير الرب، وملايين "أربطة العنق" التي لا يحتاجها أحد.



الترجمة
جاك كونتور Jack Contor

حينما هرعت المترجمة للاحتماء في الغابة ، احمرّ وجه قائد الحملة من الغضب .
"عودي أيتها الرعديدة الجبانة، أحتاج ترجمة كلمة الترحيب التي أطلقها هؤلاء البدائيون معبرين عن فرحتهم بنا ".
"اجرى " صرخت المترجمة .
" الكلمة ،اجرى؟"
" كلا ، الكلمة ... لحم "



عدم أحساس
ج. آي. أور J.I. Orr

  اتخذت مكانى على طاولة المطعم، فنهضت المرأة العجوز البيضاء عن الكرسي المجاور في الحال.
" ألا تحتملين الجلوس الى جانب رجل أسود؟ " قلت هازئاً.
" سيدي العزيز "  قالت  " يجب أن لا تكون شديد الحساسية بهذه الدرجة ، كيف لي أن أعرف لونك ؟ "
آنذاك ، رأيت لون العصا التي تحملها ، كانت بيضاء.



مختصرات أغريقية
كافاناه مورفي Cavanagh Murphy

الملك الأثيني المحارب ، بعد حصاره لمدينة لوكونوس ، أرسل رسالة :
" لو، احتللنا لوكونوس ، سنقتل كل الرجال ، نستعبد نساءكم وأولادكم ، نسلب ونحرق المدينة "
المدافعون الأسبرطيون بعثوا له الجواب :
" لو ... "



الصديق المخلص
شارون ديكيرسون Sharon Dichrson

عائداً من فيتنام، توقف كيني عند كابينة التليفون ، وقد بلله مطر الليل .
" أبي ، أنني كيني ، أنا في طريقي لعبور الجسر في السيارة ، لكي أصل البيت ، لكن وتني ينبح ويزمجر ولايدعني أعبر بسهولة "
"عم تتكلم يابني ؟ وتني غرق الأسبوع الماضي وقت جرفت العاصفة ذلك الجسر.




الوسادة تحكي
فينسينت ج. نوهايمر

التفتت اليه هيلين،وقد أنعكست بعينيها أشعة الشفق .
"مايك، هل ستتزوج ثانية بعد وفاتي ؟"
" لم أفكر بذلك بتاتاً "
"حسناً، فكر به الآن "
"الآن؟ لكل حادث حديث "
" نعم، أريد أن أعرف ذلك الآن "
" لا أعرف، ربما نعم "
" هل ستعلمها نفس طريقتنا ؟ "
" كلا " أجاب مايك " هي علمتني "
 

أنطباع أول
ويندي تشيكيلريللي Wendy Cicciarelli

"أتنتظر أحداً؟ "
هز رأسه بالإيجاب .
"فتاتك؟ " سألته وهي تومىء لعامل البار.
"موعد بلا سابق معرفة ، بالتليفون"
"أوه، تبدو قلقاً، خوفا أن تكون قبيحة ؟"
"المظهر ضروري، لا خلاف في ذلك، لكنه ليس المهم "أضاف، وقد لاحظ رشاقة
شكلها وتكشيرتها الرائعة المفاجئة.
"لا شيء يؤخذ " قبلته عند خده " أنا سلفيا، جئت على موعدك "


عيد سعيد 1914
مايكل بورتاس Michael Portas

سمعت خطوات وجلة تتقدم نحو خندقي .
" عيد ميلاد سعيد، تومي "
أبعدت بندقيتي ولعبنا كرة القدم سوية ، شربنا ، وضحكنا ، وعند الغسق ، قبيل عودته ، تعانقنا.
في الفجر اشتبكت الخنادق بالنيران من جديد . عينت صاحبي في الكريسماس بمنظارى المقرب.
أبتسم لي، رافعاً يده محيياً،بينما كانت الرصاصة تستقر بين عينيه.

الأربعاء، 27 أبريل 2011

هذا أم ذاك ... ؟؟ روبرت كروفت كوك

" ما أبدع أن يكون لديك نقود كثيرة ! "
كانت السيدة شو تفكر فى ذلك و هى تجلس وراء عربة الشاى الفضية الجميلة و العريقة ، إن كل ما حولها يوحى بالذوق الرفيع الذى يدعمه مال وفير فى البنك ، من الظلم طبعا أن نصفها بالسوقية ، و لكنها لم تكن تخشى إظهار سرورها بممتلكاتها العظيمة.
قالت للشاب الأرستقراطى الذى يجلس متحفظا على كرسيه أمامها :
- كم يسعدنى يا عزيزى أنك أحببت اللوحة ، إن زوجى اشتراها من أجلى فى الأسبوع الماضى ، لقد كنت دوما أتوق لامتلاك لوحة للفنان بروجيل.
قال الشاب :
- إنها رائعة .. أنت محظوظة يا سيدتى !
ابتسمت السيدة شو و رفعت حاجبيها الرقيقيين بحركة فاتنة ، و ظلت يداها ممتدتين كما لو كانت نموذجين من الشمع تعرضان خواتم جميلة .. إنها لا تحب التحرك القلق الشائع بين الناس العاديين ، فهى لا تسوى شعرها أو ترتب فستانها أو تلعب بالكلب الصغير أو تعبث بأقداح الشاى ، إنها تعرف قيمة الهدوء..
قالت : - تقول محظوظة ؟ أنا لا أؤمن بالحظ .. إنها مسألة اختيار !
لم يتحدث الشاب بشيىء و إن بدا عليه عدم الاقتناع ، غير أنه أطرق برأسه فى تشجيع صامت.
و واصلت السيدة شو :
- حسنا كان ذا فيما يتعلق بحالتى على الأقل ..
قال الشاب و هو لا يكاد يخفى حسده :
- هل تقصدين أنك اخترت أن تكونى غنية ؟
- يمكنك أن تقول عنى ذلك ، فمنذ خمسة عشر عاما ، كنت تلميذة غريرة فى المدرسة ..
و تقفت برهة ربما كى تعطيه فرصة للتعبير عن عدم اقتناعه ، و لكنه كان مشغولا بعدّ السنين ، و توصل فى صمت إلى أنها لابد أنها رسبت فى المدرسة سنوات طويلة ...
واصلت السيدة شو حديثها :
- أنت تفهم بالطبع .. كنت أفكر دائما فى الألعاب و مثل هذه الأشياء ، و فجأة لا أدرى لماذا ، ربما نتيجة لسحر صحى طبيعى ، وقع فى حبى شابان صغيران .. !
ظل المستمع صامتا كأنه آلى على نفسه ألا يقول سيئا إذا أعطته الفرصة ، و تذرع بالصبر رغم أنه كان يود لو استطاع تغيير الحديث إلى مجرى أفضل ، و لكنه لم يقل أيضا شيئا مما تود هى أن تسمعه ، و مضت السيدة شو قائلة :
- كان أحدهما طالب فن فقير لا يملك بنسا واحدا ، و لكنه شاب عاطفى ، حبوب ، ليست له مقدرة على الاحتفاظ بقرش .. ليست لديه أدنى فكرة عن عالم المصالح و ليس لديه أمل أن يتلقى مالا من أقاربه ، و لكنه أحبنى و أعتقد أننى أحببته .. و كان الآخر ابن رجل أعمال ناجح و لديه موهبة عظيمة فى تقدير قيمة الأشياء ، كانت أمامه حياة ناجحة ثرية و يمكن أن يقال أيضا أنه حسن الطلعة ، و أخشى أن أقول أنه أحبنى نفس حب طالب الفن.
قال الشاب يسايرها فى الحديث :
- يا له من اختيار صعب حقا !

- لقد كان كذلك بالفعل .. من ناحية هناك الحب الرومنتيكى فى شارع  فقير و أوانى شاى رخيصة فى كل مكان و زائرون مبهدلون و لكنه حب حقيقى و من ناحية أخرى هناك البيت الأنيق و الحياة السهلة و الأصدقاء اللطفاء و السفريات و الملابس و كل الأشياء التى يحتاجها المرء .. إذا كان ما يحتاجه المرء هو هذه الأشياء.
و اكتسب صوت السيدة شو رنّة من الحزن و هى تقول :
- عشت سنة كاملة فى عذاب عدم المقدرة على اتخاذ قرار ، لا أستطيع أن أفاضل بينهما و كان علىّ أن أختار أحدهما ، و أيا ما يكون قرارى سيكون هناك أسف ،

و  أخيرا ..
أجالت السيدة شو ناظريها فى الغرفة الأنيقة بما فيها من رياش و تحف و لوحات فنية و قالت :
- أخيرا .. قررت !
فى هذه اللحظة الدرامية من الحديث انفتح الباب و دخل رجل أنيق رمادى الشعر يرتدى حلة أنيقة كأنها إعلان ممتاز عن الترزى الذى أبدعها .. كم كان يناسب المكان كأنه نفسه تحفة بديعة ، و تقدم و قبل السيدة شو التى قدمته إلى الشاب بأنه زوجها ..
تلت ذلك محادثة جيدة طبيعية لمدة خمس عشرة دقيقة قال خلالها السيد شو أنه قابل اليوم "ديك روجرز القديم المسكين" و أقرضه بعض النقود.
قالت السيدة شو بدون اكتراث:
- هذا حسن منك ، يا عزيزى !
و انصرف السيد شو ..
تنهدت السيدة شو و قالت :
- ديك روجرز القديم المسكين .. لابد أنك خمنت من يكون ، إنه الرجل الآخر ، إن زوجى كان دائما يعامله بلطف !!
تمتم الشاب باختصار :
- هذا حسن !
و مضت السيدة تقول :
- لا أدرى كيف يأتى زوجى بالوقت لكى يهتم بكل أحد ، مع أنه مشغول جدا ، إن اللوحة التى يرسمها للأدميرال ..
- لوحة يرسمها ؟!
صاح بذلك الشاب الأنيق و هو يقفز معتدلا فى مقعده و قالت السيدة شو :
- نعم اللوحة التى يرسمها ، أوه ألم أخبرك لقد تزوجت الفنان بالطبع ، و الآن أعتقد أنه آن الأوان لتناول كأس من الشراب .. كيف حالك ؟
أومأ الشاب صامتا ، و بدا غير قادر إطلاقا على التعبير عن مشاعره.


المزيد عن كاتب القصة فضلا اتبع الرابط
ترجمة  محمد العزب موسى    مراجعة مختار السويفى

السبت، 23 أبريل 2011

الساذجة أنطون تشيكوف

الساذجه
للكاتب الروسي الكبير: أنطوان تشيكوف
ترجمة حصه العمار
 
طلبت - قبل بضعة أيام - من مربية أولادي ( جوليا فاسيليفنا ( موافاتي بغرفة المكتب.
  -
تفضلي بالجلوس ( جوليا فاسيليفنا ) - قلت لها - كيما نسوي مستحقاتك .
ويبدو أنك تلبسين رداء الرسمية والتعفف إذ أنك لم تطلبيها رسميا مني رغم حاجتك الماسة للمال ... حسنا ... كنا إذا قد اتفقنا على مبلغ ثلاثين روبلا في الشهر ...
  -
بل أربعين قالت باستحياء.
  -
كلا .. اتفاقنا كان على ثلاثين ، دونت ملاحظة بذلك . أدفع إلى المربيات ثلاثين روبلا عادة . لقد عملت هنا مدة شهرين لذا ..
  -
شهران وأيام خمسة قالت مصححة
  -
بل عملت لمدة شهرين بالتمام والكمال - قلت بإصرار - لقد دونت ملاحظة بذلك ، وهذا يعني أنك تستحقين ستين روبلا يخصم منها أجر تسعة أيام تعرفين تماما أنك لم تعملي شيئا لـ ( كوليا ) أيام الأحد وكنت تكتفين بالخروج به للنزهة ... هناك أيضا ثلاث إجازات و ...
ولم تعقب .. اكتفت المسكينة بالنظر إلى حاشية فستانها فيما كست محياها حمرة شديدة .. ما انبست ببنت شفة   .
  -ثلاث إجازات فلنخصم من ذلك إذا اثنى عشر روبلا ... كما وأن ( كوليا ) قد مرض فاستغرق ذلك ثلاثة أيام لم يتلق عبرها أي درس ... شغلت إبان ذلك
بـ ( تانيا ) فقط ، هناك أيضا أيام ثلاثة شعرت فيها بآلام في أسنانك ممضة أعفتك زوجتي خلالها من العمل بعد الظهر ... اثنا عشر وسبع يساوي تسعة عشر ، واطرحي ذلك فيتبقى بعد ذلك ... آ ... واحد وأربعون روبلا ... أصبح ذلك
واحمرت العين اليسرى ( لجوليا فاسيليفنا ) ثم ... غرقت بالدمع ، فيما تشنج ذقنها وارتعش ... وسعلت بشدة ثم مسحت أنفها ... إلا أنها ... لم تنبس بحرف
  - 
قبيل ليلة رأس السنه كسرت كوب شاي وصحن ، يخصم من ذلك روبلان رغم أن تكلفة الكوب هي في الواقع أكثر من ذلك إذ إنه كان ضمن تركة قيمة ... لا يهم ليست تلك هي أولى ما منيت به من خسائر ... بعد ذلك ونتيجة لإهمالك صعد ) كوليا ) شجرة فتمزق معطفه ، يخصم من المجموع عشرة روبلات ... كما وأن الخادمة قد سرقت - بسبب لامبالاتك حذاء ( فانيا ) ينبغي أن تفتحي عينيك جيدا ... أن تتوخي الحذر والحيطة فنحن ندفع لك ثمن ذلك ... حسنا نطرح من كل ذلك خمسة روبلات وإني قد أعطيتك عشرة روبلات يوم العاشر من يناير
  -
لم يحدث ذلك همست ( جوليا فاسيليفنا (
  -
بلى دونت ملاحظة بذلك قلت بإصرار
  -
حسنا وإذا أجابت بنبرات كسيرة .
-
فإذا ما خصمنا سبعة وعشرين من واحد وأربعين فسيتبقى لك أربعة عشر روبلا
وغرقت بالدموع حينها كلتا عينيها فيما ظهر العرق على أنفها الصغير الجميل ... يا للبنية المسكينة
  -
لم أحصل على مال سوى مرة واحدة
  -
قالت بصوت راعش متهدج النبرات - وكان ذلك من زوجتك . ماتجاوز ما استلمته ثلاث روبلات ... لا أكثر سيدي
  -
حقا أرأيت لم أدون ملاحظة بذلك - سأخصم من الأربعة عشر روبلا ثلاثة فيتبقى لك أحد عشر روبلا
ودفع إليها بالمبلغ فتناولته بأصابع مرتجفة ثم دسته في جيبها .
- شكرا قالت هامسة .
  -
ولماذا هذه الـ ( شكرا ) سألتها
  -
للمبلغ الذي دفعته لي .
- لكنك تعرفين أني قد غششتك ... أني قد سرقتك ونهبت مالك فلماذا شكرتني
  -
في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لي شيئا البتة
-
لم يمنحوك على الإطلاق شيئا ، زال العجب إذا لقد دبرت هذا المقلب كي ألقنك درسا في المحافظة على حقوقك ، سأعطيك الآن مستحقاتك كاملة ... ثمانون روبلا ... لقد وضعتها في هذا الظرف مسبقا ...
لكن - تساءلت مشدوها - أيعقل ذلك أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف والاستسلام لماذا لم تعترضي لم كل ذلك الصمت الرهيب ... أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب إنسان في سذاجتك وخضوعك.
وابتسمت في ذل وانكسار فقرأت في ملامحها " ذاك ممكن " واعتذرت منها مجددا عما سببته لها من ألم وإحراج ، إذ إن الدرس كان قاسيا حقا قبل أن أسلمها الظرف الذي يحوي أجرها ... ثمانون روبلا تناولتها بين مكذبة ومصدقة ... وتلعثمت وهي تكرر الشكر ... المرة تلو المرة ثم غادرت المكان وأنا أتأملها وسيل من جراحات الإنسان المعذب في أرجاء غابة الظلم ينداح في أوردتي وهمست لنفسي :
-
حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم.

المزيد عن أنطون تشيكوف فضلا اتبع الرابط

الجمعة، 22 أبريل 2011

البيت الملعون أميل جابوريو

الفيكونت ب .. شاب مرح حسن المعشر كان يعيش فى سلام متمتعا بدخل سنوى يبلغ 30 ألف جنيه ، و فجأة لسوء حظه ، مات عمه .. هذا العم كان رجلا يكره إنفاق النقود ، و لذلك  فقد ترك ثروة تقدر بمليونى جنيه لابن أخيه الفيكونت الشاب.
عندما كان الفيكونت يدرس أوراق التركة وجد أن من بينها بيتا فى شارع النصر (رى ديلا فيكتوار) يبلغ مجموع إيجاره السنوى بعد خصم العوائد 82 ألف فرنك.
فكر الفيكونت الكريم فى نفسه قائلا : هذا كثير جدا ، إن المرحوم عمى كان رجلا قاسيا .. إن الإيجارات مرتفعة للغاية ، لا ينبغى لإنسان يحمل لقبا عظيما مثلى أن يتصرف كلص ، سأبدأ من الغد فى تخفيض الأجرة ، إن السكان سوف يسعدون و يباركوننى !
و بهذا الغرض النبيل فى ذهنه استدعى الفيكونت على الفور بواب المنزل الذى حاء فى الحال و انحنى أمام المالك الجديد ..
قال الفيكونت :
- برنارد ، يا صديقى ، اذهب على الفور و أخبر السكان أننى خفضت لهم الأجرة بمقدار الثلث !
وقعت الكلمة غير المألوفة "خفضت " كقالب من الطوب فوق رأس برنارد ، و لكنه سرعان ما استرد أنفاسه معللا نفسه بأنه أخطأ السمع أو أخطأ الفهم و تمتم :
- خفضت الإيجار ؟ إن سيدى لابد أنه يمزح ، لا شك أنك فكرت فى رفع الإيجار ؟!
أجاب الفيكونت :
- إننى لا أمزح ، إننى جاد تماما يا صديقى أكرر "خفضت" .. أى قللت الإيجار.
دهش البواب إلى درجة أن أصابته دوخة و فقد كل مقدرة على التحكم فى نفسه ، فصاح
- لابد أنك يا سيدى لم تفكر فى الأمر جيدا ، سوف تلعن المساء الذى فكرت فيه فى هذا الأمر ، تخفيض إيجارات السكان ؟ لا أحد سمع بذلك من قبل ! يا سيدى ! إن السكان إذا سمعوا بذلك من يدرى ماذا يقولون ؟ و ماذا يقول الجيران فى المنطقة ؟
قاطعه الفيكونت :
- يا سيد برنارد ، يا صديقى ، أفضل أن أطاع عندما أصدر أمرا ، لقد سمعتنى جيدا .. اذهب !
خرج الرجل يترنح كالسكران ، كل أفكاره مضطربة ، هل كان ضحية حلم أو كابوس ؟ و هل هو حقا بيير برنارد أم ربما يكون شخصا آخر ؟
أخذ يردد فى نفسه : أخفض الإيجار ؟ أخفض الإيجار ؟ هذا لا يصدق ! لو كان السكان قد اشتكوا .. و لكنهم لم يشتكوا ، على العكس هم سكان طيبون يدفعون الإيجار بسهولة ، آه لو عرف عمه بذلك لكان قد قام من قبره ! هذا المالك الشاب يجب أن يمثل أمام مجلس عائلة، إن نهايته سيئة لا شك. من ذا الذى يعرف ما يمكن أن يفعل بعد ذلك ؟ ربما يكون قد تناول طعاما ثقيلا !
كان برنارد شاحبا كالأموات عندما وصل إلى مسكنه مما جعل زوجته و ابنته أماندا تصيحان فيه لدى رؤيته : سبحان الله ماذا حدث ؟ هل أصابك مكروه ؟
أجاب بصوت متغير : لا شيىء .. لا شيىء بالمرة !
قالت مدام برنارد : إنك تخدعنى .. إنك تخفى شيئا عنى ، لا تضللنى ، تحدث ! إننى قوية ، ماذا قال لك المالك الجديد ؟ هل يريد أن يتخلص منا ؟
- ليت الأمر كان يقتصر على ذلك .. تصورى ! لقد أبلغنى بشفتيه .. ابلغنى .. آه لن تصدقينى ...
- استمر من فضلك .. استمر..
- خذى أذن .. لقد أبلغنى .. بل أمرنى أن أبلغ كل السكان بأنه خفض الإيجار لكل منهم بمقدار الثلث ! هل سمعت ما قلته ؟ خفض الإيجار للسكان ..
لم تصبر زوجته و ابنته عليه حتى يتم حديثه .. و انفجرتا فى نوبة من الضحك الهستيرى .. و رددتا :
خفض الإيجار ؟ يا لها من نكتة ! يالك من رجل غريب ! خفض الإيجار للسكان !
فقد برنارد صوابه و طلب منهما أن تعاملاه باحترام فى مسكنه ، ثم فقدت الزوجة صوابها أيضا ، و نشب شجار بينهما ، و قالت الزوجة أن زوجها السيد برنارد لابد أنه تلقى هذا الأمر الغريب من قاع زجاجة نبيذ جرعها فى ركن البار المجاور !
و كاد الزوجان يتشابكان بالأيدى لو لم تقم المدموازيل أماندا بالتفريق بينهما ، و أخيرا قررت مدام برنارد ، التى لا تريد أن يظن بها الجنون ، أن تذهب بنفسها إلى منزل الفيكونت لتستطلع جلية الأمر.
و هناك تأكدت أن برنارد كان يتحدث الصواب ، فقد سمعت بأذنيها اللتين تعلق فيهما حلقين كبيرين الكلمة الغريبة يقولها المالك بلسانه ، و لكن لأنها امراءة فطنة أصرت على الحصول من المالك على الأمر كتابة فى " ورقة صغيرة " ، كى تعفى نفسها من المسئولية.
طيلة ذاك المساء ظل الأب و الزوجة و الابنة يتناقشون فى الأمر ، هل يجب عليهم أن يطيعوا ؟ أم يذهبوا لإبلاغ أقارب  ذلك الشاب المجنون ؟ و أخيرا قرروا أن يطيعوا فالأمر على أى حال لا يتعلق بهم.
فى الصباح التالى ارتدى برنارد أحسن معطف لديه و ذهب لإبلاغ السكان بالنبأ الكبير.
خلال الدقائق العشر التالية تحول البناء القائم فى شارع النصر إلى حالة من الفوضى يستحيل وصفها ، فالناس الذين ظلوا أربعين سنة يعيشون فى نفس المبنى و لايلمس الواحد منهم قبعته لتحية جاره ، تجمعوا الآن سويا و أخذوا يتناقشون بحماس :
- هل سمعت يا سيدى ؟
- إنه أمر شاذ !
- لم يسمع أحد بمثل ذلك من قبل !
- لقد خفض المالك إيجار مسكنى !
- بمقدار الثلث ، أليس كذلك ؟ أنا ايضا !
- شيىء مدهش ! لابد أن هناك خطأ ما !
و بالرغم مما قالته أسرة برنارد لهم ، و بالرغم من إطلاعهم على الورقة التى حصلت عليها الزوجة من المالك بتخفيض الإيجار ، قرر ثلاثة منهم أن يرسلوا خطابا إلى المالك يبلغونه فيه أن البواب قد فقد صوابه ، و لكن المالك رد مؤكدا ما قاله البواب ، 
و انتفت كل شبهة ، و بدأ الحديث الجاد :
- لماذا يخفض المالك الإيجار ؟
- أجل لماذا ؟
- عليه بكل تأكيد أن يعطى أسبابا قوية لمثل هذه الخطوة .. إن الرجل الذكى .. الرجل المدرك .. لايمكن أن يحرم نفسه من كمية كبيرة من المال لمجرد متعة حرمان النفس .. لابد أن هناك سببا ، لابد أن هناك ظروفا قوية مخيفة !
و أخذ كل واحد منهم يقول : لابد أن هناك شيئا ما وراء هذا كله !
و لكن ما هو هذا الشيىء ؟
راح الجميع يفكرون ما قد يكون السبب .. من أعلى البناء إلى أسفله أخذ كل ساكن يقدح فكره لحل هذا اللغز العويص ، و قال أحدهم لابد أن هذا الرجل ارتكب جريمة كبرى فى حق المجتمع و يحاول الآن التكفير عنها !
رد آخرون :
- هذه فكرة غير طيبة .. أن نعيش جنبا إلى جنب فى بيت مثل هذا النذل ، كلا ! ذلك غير ممكن ! حتى إذا كان آسفا لفعل خطأ ما ارتكبه فإن عليه أن يصلحه من نفس نوع الفعل ، أما أن يخفض الإيجار فكلا !
قال آخر مقترحا : ربما كان البيت آيلا للسقوط ؟
كان الجميع متأكدين من شيىء واحد .. أن البيت قديم جدا بالفعل ، و كاد أن ينهار عندما كانوا يحفرون للمجارى فى شهر مارس من العام الماضى.
و قال ساكن بالدور الخامس : ربما يكون السطح على وشك الانهيار !
و قال آخر : ربما كانت هناك آلة فى البدروم لإصدار عملة مزيفة .. أننى أسمع أصواتا غريبة أثناء الليل.
و كان رأى شخص آخر أن البيت ملىء بالجواسيس ، و أكد سيد فى الدور الأول أن المالك ينوى إحراق البيت للحصول على تعويض كبير من شركات التأمين.
ثم بدأت تحدث أشياء غريبة أثارت انتباههم جميعا ، ففى الطابق السادس و الأدوار العليا أخذت تسمع أصوات غير مألوفة لم يسمعوا بها من قبل و لا يجدون لها تفسيرا، و أكدت ممرضة السيدة العجوز فى الطابق الرابع أنها ذهبت مرة لتسرق بعض النبيذ من الكرار فالتقت بشبح المالك المتوفى و بيده الإيصال يطالبها بالأجرة !
و بدافع القلق تحولت مشاعرهم إلى خوف ، و تحول الخوف إلى ذعر ، و أقدم السيد ساكن الدور الأرضى ، و كانت لديه أشياء ثمينة يخشى عليها ، إلى إرسال مذكرة إلى البواب بأنه ينوى إخلاء الشقة.
و هرول برنارد لإبلاغ المالك فقال : حسنا ، دع ذلك الأحمق يغور !
و لكن فى اليوم التالى أقدم ساكن آخر فى الدور الثانى ، رغم أنه لم يكن لديه ما يخشى عليه ، على تقليد السيد ساكن الدور الأول ، و أعلن عزمه على العزال ، و تبعه سكان آخرون فى الدور الخامس.
و حدث بعد ذلك انهيار شامل ، فما كاد ينقضى الأسبوع حتى كان كل الساكنين قد أعطوا إشعارات بالإخلاء ، و كان كل منهم يتوقع كارثة تحل به فى الشقة ، فلم يعد فى استطاعتهم النوم ، و صاروا يقضون الليل جماعة يرهفون السمع لما قد يحدث فجأة ، أما الخدم المذعورون فقد أعلنوا أنهم سيتركون الخدمة فى هذا البيت الملعون ، و لكن البعض بقوا بعد أن رفع مستخدموهم أجرهم ثلاثة أضعاف.
أما برنارد البواب فقد حولته حمى الخوف إلى ما يشبه الخيال ، و لم تلبث أن ظهرت علي واجهة البيت ثلاث و عشرون يافطة تحمل كل منها كلمة "للإيجار" ..
و كان برنارد يأخذ الزائرين ليروا الشقق المختلفة و يقول لهم : لكم أن تختاروا ما تشاءون .. إن كل السكان عزلوا ، لا أحد يعرف لماذا بالضبط ، و لكن هناك أشياء قد حدثت ، أوه ، نعم  "أشياء" !! هناك غموض لا يعرف كنهه أحد ، إن المالك خفض الإيجار !!
كان راغبو الاستئجار يسمعون ذلك و يهربون و لا يعودون.
غادر ثلاثة و عشرون مستأجرا شققهم تاركين أثاثهم وراءهم و أصبح البيت خاليا من أسفل إلى أعلى ، و حتى الفئران لم تجد ما تقتات به فهربت من المبنى ، و ظل برنارد مقيما فى مسكنه و قد ابيضّ شعر رأسه من الخوف و صارت الأحلام المخيفة تزعجه أثناء الليل و الأصوات المبهمة تجعل شعر رأسه يقف ، و لم تكن مدام برنارد أحسن حالا ، أما ابنتهما أماندا - لكى تهرب من مسكن أبيها المخيف- وافقت على الزواج من حلاق لم تكن تتحمله من قبل !
و أخيرا استيقظ البواب ذات صباح بعد حلم مخيف أكثر من المعتاد و اتخذ قراره الحاسم ، ذهب إلى الفيكونت و سلمه مفاتيح المنزل ، و هرب بجلده.
و الآن يقف المبنى العتيق فى شارع النصر خاليا تماما ، يكسوه التراب و تنمو فى فنائه الحشائش ، لا أحد يجرؤ على الاقتراب منه ، و أصابت شهرته السيئة البيوت المجاورة من كل جانب فانخفضت قيمتها و بدأ سكانها يغادرون أيضا ..
تخفيض إيجار ؟ 
من ذا الذى سمع بمثل هذا الهراء ؟!!


ترجمة محمد العزب موسى   مراجعة مختار السويفى
لمعرفة المزيد عن الكاتب أميل جابوريو فضلا اتبع الرابط